رأيهذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه ولا يعبّر بالضرورة عن موقف المنصة.

الأزمة الاقتصادية في فرنسا: الكفاءات التونسية في قلب الإعصار الرقمي

الجالية، 20 سبتمبر 2026

تمر فرنسا اليوم بأزمة اقتصادية غير مسبوقة، تتجاوز حدود الركود التقليدي لتصبح تحوّلًا جذريًا في بنية الاقتصاد وسوق الشغل. هذه الأزمة لا تأتي فقط نتيجة الضغوط التضخمية أو السياسات النقدية، بل بسبب دخول الذكاء الاصطناعي على الخط، كقوة تكنولوجية جارفة تعيد تشكيل علاقة الإنسان بالعمل. في هذا السياق، وجدت آلاف الكفاءات التونسية، خاصة من المهندسين ومختصي البرمجيات، أنفسهم في مواجهة واقع جديد قاسٍ: بطالة مطولة، عقود لم تُجدد، وشركات أغلقت أبوابها أو خفّضت عدد موظفيها بشكل دراماتيكي. وفي بعض الحالات، بلغت فترة البطالة أكثر من ستة أشهر دون أفق واضح. التقارير الدولية تؤكد هذا التحوّل العنيف. فوفقًا لدراسة حديثة صادرة عن شركة Goldman Sachs سنة 2023، يُتوقع أن يستبدل الذكاء الاصطناعي نحو 300 مليون وظيفة في العالم خلال العقد القادم. أما في فرنسا، فقد شهد قطاع التكنولوجيا انخفاضًا في عروض العمل بنسبة 42% بين نهاية 2022 و2024، بحسب مؤشر “Indeed”. وهذا الانخفاض مسّ بالأساس الوظائف التقنية الكلاسيكية في مجالات التطوير، والدعم، والتحليل، وهي مجالات كانت في السابق الأكثر استقطابًا للكفاءات المهاجرة. أزمة المهندسين والكفاءات التقنية لم تقتصر على فرنسا وحدها، بل طالت أغلب الدول الأوروبية، التي بدأت تعاني من تخمة في العرض وتراجع في الطلب، خاصة في الوظائف التقنية التي أصبح من السهل أتمتتها أو تقليصها. بات عدد كبير من المهندسين – ومن بينهم آلاف التونسيين – في مفترق طرق حقيقي: إما العودة إلى الوطن حيث الآفاق محدودة، أو الهجرة مجددًا إلى وجهات جديدة ككندا أو الخليج أو دول شمال أوروبا، وهي خيارات لا تخلو من التعقيد والتحديات القانونية والاجتماعية. لكن الأخطر من ذلك هو التأثير المباشر لهذه الأزمة على ركيزة أساسية في الاقتصاد التونسي: تحويلات المهاجرين بالعملة الصعبة. فقد بلغت هذه التحويلات في السنوات الأخيرة أكثر من 9 مليار دينار سنويًا، متفوقة بذلك على مداخيل السياحة، ومثلت أحد أهم مصادر العملة الصعبة التي ساهمت في الحد من العجز التجاري ودعم احتياطي البنك المركزي. وإذا استمر تراجع التشغيل في أوروبا، فإن هذا المورد الحيوي مهدد بالتقلص تدريجيًا، وهو ما ستكون له انعكاسات خطيرة على التوازنات المالية لتونس وعلى القدرة الشرائية لآلاف العائلات التي تعتمد على الدعم القادم من الخارج. الأزمة طالت كذلك المنظومة التعليمية، وتحديدًا التعليم الهندسي الخاص، الذي ازدهر في العقود الأخيرة وأصبح صناعة تجارية لا تهدف دائمًا إلى تكوين حقيقي بقدر ما تهدف إلى تخريج أكبر عدد ممكن من الطلبة. هذه المدارس، التي كانت تجد لها مكانًا بفضل اتساع السوق، أصبحت اليوم تعاني من صعوبة إدماج خريجيها في سوق عمل شديد التنافسية، حيث لم تعد الشهادات كافية، بل أصبح المطلوب فهم عميق للتقنيات الحديثة، خاصة الذكاء الاصطناعي، والتعلم الآلي، والهندسة السحابية. إن الواقع الجديد يفرض على الدولة التونسية تحيينًا عاجلًا وجذريًا لبرامج التعليم العالي. فما جدوى أن يقضي الشاب ثلاث أو خمس سنوات جامعية في اختصاص لم يعد مطلوبًا أصلًا؟ كيف نبرر تمويل منظومة تُعدّ لشباب لا يجد ما يفعله بعد التخرج؟ لا بد من مراجعة شاملة للمضامين، ولطريقة التكوين، ولربط مباشر بين الجامعة وسوق الشغل الجديد، قبل أن تتحول الجامعات إلى مصانع بطالة. ولعل أبرز ما يعبّر عن عمق التحول ما قاله أحد رؤساء الشركات في فرنسا: “أثر الذكاء الاصطناعي اليوم على سوق الشغل يعادل أثر اكتشاف الكهرباء في القرن التاسع عشر. هو إعصار وحشي يغيّر كل شيء: العمل، التعليم، حتى شكل الحياة.” فإما أن نتحرك ونتأقلم، أو نُدهس. في مواجهة هذا الواقع المعقّد، لم تعد الحلول الفردية كافية. من أبرز ما يمكن البناء عليه هو إحياء مشروع التعاون المغاربي، فالثقل السكاني لدول المغرب الكبير (ما يزيد عن 100 مليون نسمة)، مع ما تمتلكه من ثروات بشرية ومادية، يمثل فرصة حقيقية لإعادة بناء سوق عمل إقليمي يستوعب كفاءاته، سواء في الداخل أو في الخارج. وحده التكامل الاقتصادي المغاربي قادر على خلق فضاء جديد للتشغيل، والبحث، والابتكار، بعيدا عن التبعية للخارج. نحن أمام مفترق طرق: إما أن نبقى في موقع المتفرج على زحف الذكاء الاصطناعي والأسواق المنهارة، أو نبني إستراتيجيات ذكية تستثمر في الإنسان، وتعيد الاعتبار للكفاءة، وتعيد ربط المهاجر بوطنه لا كشعور فقط، بل كفرصة ومشروع

3 دقيقة قراءة
شارك: