رأيهذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه ولا يعبّر بالضرورة عن موقف المنصة.

نحو تأسيس خطاب فكري مغاربي جديد

مستقبل المغرب، 20 سبتمبر 2026

أضحت الحاجة إلى تأسيس خطاب فكري جديد ضرورةً ملحّة، في ظلّ تعثّر المشاريع الكبرى التي عرفها عالمنا العربي والمغاربي خلال العقود الماضية، وعجز كثير منها عن الاستجابة لتطلعات الشعوب في الحرية والكرامة والتنمية والوحدة.

فالفكر القُطري، الذي راهن على بناء الدولة الوطنية بمعزل عن امتدادها الحضاري وعمقها الجغرافي والتاريخي، لم يتمكّن من تحقيق الاستقرار السياسي المنشود، ولا من إرساء نموذج تنموي مستدام وقادر على الاستجابة للتحولات المتسارعة.

أما الفكر القومي العربي، فعلى الرغم من القيمة التي حملتها شعارات الوحدة والتحرر في مراحل تاريخية مختلفة، فإنه لم يمنح البعد المغاربي ما يستحقه من اهتمام، كما لم يجعل الإنسان والمجتمع في صلب مشروعه بالقدر الكافي. وظلّ، في كثير من تجاربه، أسير خطاب وحدوي لم ينجح دائماً في التحول إلى مشروع سياسي واجتماعي ملموس وقادر على إحداث التغيير.

وفي المقابل، انشغل جزء مهم من تيارات الإسلام السياسي بالصراع حول السلطة وإدارة التنافس السياسي أكثر من انشغاله ببناء الإنسان وتحرير وعيه وصياغة مشروع حضاري متكامل. فتحوّل الخطاب، في كثير من التجارب، من مشروع لإعادة بناء المجتمع والإنسان إلى أداة ضمن أدوات الصراع السياسي.

أما الفكر اليساري، فعلى الرغم من إسهاماته المهمة في الدفاع عن العدالة الاجتماعية وحقوق الفئات الشعبية، فقد انصبّ جانب كبير من خطابه على الصراع الطبقي، أحياناً على حساب فهم أعمق للهوية المحلية والخصوصيات الثقافية والتاريخية للمجتمع. كما ظلّ، في عدد من تجاربه، خطاباً نخبوياً يجد صعوبة في التحول إلى وعي شعبي واسع ومتجذر.

ومن رحم هذا الواقع المتشظي، يبرز المشروع المغاربي بوصفه محاولة لتجاوز إخفاقات التجارب السابقة، لا من خلال إنكارها أو القطيعة المطلقة معها، وإنما بالاستفادة من دروسها وإعادة التفكير في أسس المشروع النهضوي ذاته.

إنه مشروع يدعو إلى تأسيس فكر جديد يتحرر من أسر القوالب الإيديولوجية التقليدية، ويستمد شرعيته من وعي المجتمع وتطلعات شعوبه، لا من منابر النخب وحدها، ولا من الأطر الحزبية المغلقة.

ومن هذا المنطلق، تبرز أمامنا مجموعة من الأولويات:

1. **إنتاج فكر تحرّري شعبي وجامع** فكر لا يكون نخبوياً ولا إقصائياً، وإنما ينطلق من واقع الناس، ويعبّر عن وجدانهم وتطلعاتهم العميقة إلى الحرية والكرامة والوحدة والعدالة، ويجعل الإنسان محور المشروع وغايتَه.

2. **إرساء ثقافة النقد والتجاوز** من خلال قراءة واعية وعميقة للتجارب الفكرية والسياسية السابقة، بعيداً عن الشيطنة أو التقديس أو الإنكار المطلق. فالمطلوب ليس محاكمة الماضي، بل فهمه في سياقه، واستخلاص دروسه، ثم تجاوزه نحو أفق فكري أكثر قدرة على التعامل مع تحديات الحاضر والمستقبل.

3. **بناء خطاب متوازن وجامع** خطاب قادر على إقامة توازن خلاق بين العقل والإيمان، وبين الأصالة والتجديد، وبين الهوية والانفتاح، وبين الخصوصية المحلية والبعد الإنساني العالمي؛ حتى يصبح فكراً حياً، قابلاً للتطور، وقادراً على الفعل والتأثير في هذا العصر.

4. **إعادة الاعتبار للبعد المغاربي** ليس باعتباره مجرد إطار جغرافي أو صيغة سياسية ظرفية، بل بوصفه فضاءً حضارياً وتاريخياً وثقافياً متكاملاً، تجمع شعوبه روابط عميقة من التاريخ والجغرافيا والمصير المشترك. ومن ثمّ، فإن أي مشروع نهضوي في المنطقة لا يمكن أن يكتمل من دون ترسيخ هذا الوعي والانطلاق منه نحو دوائر الانتماء الأوسع.

إننا، اليوم، أمام إمكانية حقيقية لإعادة صياغة وعينا الجماعي وبناء أفق فكري جديد. غير أن ذلك يقتضي التحرر من أوهام الماضي ومن أسر النماذج الجاهزة، والانطلاق من واقعنا الفعلي، ومن تاريخنا وخصوصيات مجتمعاتنا، مع الانفتاح الواعي على التجارب الإنسانية المختلفة.

فالمطلوب ليس استنساخ مشروع مستورد، ولا إعادة إنتاج الإيديولوجيات القديمة بأسماء جديدة، بل بناء فكر نابع من ذواتنا، قادر على فهم واقعنا وتحريكه، وعلى تحويل الوعي المغاربي من مجرد إحساس بالانتماء المشترك إلى مشروع حضاري يضع الإنسان والحرية والكرامة والوحدة في قلب رؤيته للمستقبل.

3 دقيقة قراءة
شارك: